محمد بن جرير الطبري

36

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لا محلين الصيد في حرمكم ، ففيما أحل لكم من بهيمة الأنعام المذكاة دون ميتتها متسع لكم ومستغنى عن الصيد في حال إحرامكم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ يعني بذلك جل ثناؤه : إن الله يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد تحليله ، وتحريم ما أراد تحريمه ، وإيجاب ما شاء إيجابه عليهم ، وغير ذلك من أحكامه وقضاياه ، فأوفوا أوفوا بالعقود أيها المؤمنون له بما عقد عليكم من تحليل ما أحل لكم وتحريم ما حرم عليكم ، وغير ذلك من عقوده فلا تنكثوها ولا تنقضوها . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ إن الله يحكم ما أراد في خلقه ، وبين لعباده ، وفرض فرائضه ، وحد حدوده ، وأمر بطاعته ، ونهى عن معصيته . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ اختلف أهل التأويل في معنى قول الله : لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ فقال بعضهم : معناه : لا تحلوا حرمات الله ، ولا تتعدوا حدوده . كأنهم وجهوا الشعائر إلى المعالم ، وتأولوا لا تحلوا شعائر الله : معالم حدود الله ، وأمره ، ونهيه ، وفرائضه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبد الوهاب الثقفي ، قال : ثنا حبيب المعلم ، عن عطاء أنه سئل عن شعائر الله ، فقال : حرمات الله : اجتناب سخط الله ، واتباع طاعته ، فذلك شعائر الله . وقال آخرون : معنى قوله : لا تُحِلُّوا حرم الله . فكأنهم وجهوا معنى قوله : شَعائِرَ اللَّهِ أي معالم حرم الله من البلاد . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ قال : أما شعائر الله : فحرم الله . وقال آخرون : معنى ذلك : لا تحلوا مناسك الحج فتضيعوها شعائر الله . وكأنهم وجهوا تأويل ذلك إلى : لا تحلوا معالم حدود الله التي حدها لكم في حجكم . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال ابن عباس ، قوله لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ قال : مناسك الحج . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ قال : كان المشركون يحجون البيت الحرام ، ويهدون الهدايا ، ويعظمون حرمة المشاعر ، ويتجرون في حجهم ، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم ، فقال الله عز وجل : لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : شَعائِرَ اللَّهِ الصفا والمروة ، والهدي ، والبدن ، كل هذا من شعائر الله . حدثني المثني ، قال : ثني أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وقال آخرون : معنى ذلك : شعائر الله لا تحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ قال : شعائر الله : ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم . وكأن الذين قالوا هذه المقالة لا تحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم ، وجهوا تأويل ذلك إلى : شعائر الله لا تحلوا معالم حدود الله التي حرمها عليكم في إحرامكم . وأولى التأويلات بقوله : لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ قول عطاء الذي ذكرناه من توجيهه معنى ذلك إلى : لا تحلوا حرمات الله ، ولا تضيعوا فرائضه ، لأن الشعائر جمع شعيرة ، والشعيرة : فعيلة من قول القائل : قد شعر فلان بهذا الأمر : إذا علم به ، فالشعائر : المعالم من ذلك . وإذا كان ذلك كذلك ، كان معنى الكلام : لا تستحلوا أيها الذين آمنوا معالم الله ، فيدخل في ذلك معالم الله كلها في مناسك الحج ، من تحريم ما حرم الله أصابته فيها على المحرم ، وتضييع ما نهى عن تضييعه فيها ، وفيما حرم من استحلال حرمات حرمه ، وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه ، لأن كل ذلك من معالمه وشعائره التي جعلها أمارات بين الحق والباطل ، يعلم بها حلاله وحرامه وأمره ونهيه . وإنما قلنا ذلك القول أولى بتأويل قوله تعالى : لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ لأن الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم حدوده ، وإحلالها نهيا عاما من غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء ، فلم يجز لأحد أن يوجه معنى ذلك إلى